اعلان

الأربعاء، 3 يونيو، 2015

مؤتمر الفكر الإباضي بسانت بطرسبرج يكرس لنشر التسامح والسلام بين شعوب العالم

مستشار الأكاديمية الروسية للعلوم: الإباضية رائدة في الاعتدال وإشراقاتها ممتدة إلى المستقبل –
رسالة سانت بطرسبرج:-
سيف الفضيلي وسالم الحسيني –
بدأت في العاصمة الثقافية الروسية سانت بطرسبرج أمس الأول اعمال المؤتمر السادس حول الفكر الاباضي «الفكر الاصلاحي للمدارس الفكرية الاسلامية في العصر الحديث». الذي يحتضنه معهد المخطوطات والدراسات الشرقية للأكاديمية الروسية للعلوم باعتباره احد المراكز المهمة في العالم حيث يحوي اعدادا كبيرة من المخطوطات الاباضية يعود بعضها لأكثر من مائتي سنة ولا تزال موجودة بمبنى مكتبته العامرة.
كما يصدر المعهد دراسات حول مخطوطات الحضارة الانسانية ويعكف جمع من المستشرقين والمفكرين فيه على قراءة حصيلة الفكر الانساني والتعرف على مكونها والبحث عن آلية التعارف في اطار التوجه العام السائد بين مفكري وعلماء معاهد الدراسات الاستشراقية.
ورعى افتتاح المؤتمر معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي وزير الأوقاف والشؤون الدينية بحضور سعادة يوسف بن عيسى الزدجالي سفير السلطنة لدى روسيا الاتحادية في انحاء المعمورة.
وتحدث في الافتتاح فلاديمير ستيبانوفيتش ماسكنوف مستشار الاكاديمية الروسية للعلوم مشيدا بالحضارة الاسلامية واثرها على المجتمع الروسي ومعربا عن فرحته باستضافة المؤتمر الذي يعرف الفكر الاباضي باعتباره فكرا رائدا لا يقف عند حد ويمتد عطاؤه العلمي منذ القديم وإلى المستقبل باشراقاته التي تضيء للانسانية منهج التسامح ويعكس سلوك المجتمع العماني واستقراره السياسي وارتفاع مستوى المعيشة في السلطنة ولذلك كان عامل جذب للعلماء والمستشرقين وطلاب العلم لتكون محطتهم الاولى في الشرق الاوسط ومن خلاله يتعرفون على المجتمع العربي والاسلامي في محيط الامتداد الشرقي للحضارة.
وأشاد اللورد المطران امبرسيوس رئيس الاكاديمية اللاهوتية الارثوذكسية الروسية بمدينة سانت بطرسبرج في كلمته بالاسلام والفكر العماني الممنهج للتسامح الديني كما دعا الى حسن التعايش بين اتباع الرسالتين الاسلامية والمسيحية من منطلقات الديانات الابراهيمية والقيم الاخلاقية التي يرعاها المسلمون والمسيحيون على السواء.
من جهته اشار السير تأيرن بي. دارمايف رئيس التمثيل البوذي في سانت بطرسبرج الى الحرية الدينية التي يكفلها الانفتاح الفكري والسياسي العماني، كما نوه بالدور العماني في ابراز صورة الاسلام الناصعة النقية البعيدة عن العنف والداعية الى السلام الذي ينشده المجتمع الانساني.
مقدم الليالي البيضاء
وتحدث في المؤتمر الدكتور عبدالرحمن السالمي رئيس تحرير مجلة التسامح قائلا: ان المؤتمر يعقد ومدينة سانت بطرسبرج تحتفل بمقدم الليالي البيضاء التي يستبشر بها المجتمع الروسي كل معاني الخير والسلام معرجا الى تاريخ التعارف بين الحضارة العمانية والحضارة الروسية من خلال دراسات المستشرقين الروس للوثائق التاريخية لأرشيف البحرية الروسية فيما دوّن عن عمان والخليج في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي وبداية القرن العشرين والجهود التي بذلها الباحث الروسي روزن بجامعة سانت بطرسبرج لتنظيم المخطوطات الشرقية وفهرستها والالتقاء الحضاري المباشر من خلال كتابات المستشرق الروسي كرايمسكي في تاريخ الادب العربي وكذلك بارتولد الذي نبغ في دراسة الحضارة الاسلامية وما ترجم عنه من دراسات الى اللغة العربية قبل ثلاثة عقود.وأضاف: في ستينات القرن العشرين الماضي تعرف المجتمع الثقافي العماني على كتابات كراتشكوفسكي الجغرافية ودراساته للأدب العربي القديم ودراسته للمخطوطات العربية مما عمّق التواصل الثقافي بين المجتمعين العماني والروسي وعلى اثره وفد الى السلطنة طلاب واساتذة روس خلال السنوات العشر الاخيرة لدراسة الفكر العماني .
وأكد السالمي أن اقامة هذا المؤتمر امتداد لهذا التواصل التاريخي الثقافي.
محفل مهم للتواصل
وألقى رئيس الاكاديمية اللاهوتية الارثوذكسية الروسية اللورد المطران امبريسيسوس كلمة اشاد فيها بالمؤتمر الذي تشرف باستضافته معهد الدراسات الشرقية؛ معتبرا إياه محفلا مهما للتواصل بين الثقافات والتفاهم بين الأديان من أجل عالم تسوده قيم التسامح، والعدالة والتعاون بين الأمم والشعوب، مؤكدا أنه مقتنع بأن الدراسة المقدمة ستكون إضافة مهمة وستلقي المزيد من الضوء على ما يحفل به من جوانب لخدمة الإنسانية وتطلعاتها.
مرحلة دقيقة
وفي تصريح خاص لـ «عمان» قال سعادة يوسف بن عيسى الزدجالي سفير السلطنة بروسيا الاتحادية : إن انعقاد المؤتمر السادس للفكر الاباضي يأتي على خلفية مرحلة دقيقة في العالم حيث برزت مؤشرات صدام الحضارات ومنطقة الشرق الاوسط، إذ سادت بعد ما يسمى بالربيع العربي الاضطرابات في بعض دول المنطقة وتأججت النزاعات التي اكتسبت طابع الاحتراب بين مذاهب الدين الاسلامي مما له عواقب وخيمة على مستقبل المنطقة بأسرها.
واضاف: ان هذه التحديات الخطرة تستدعي اعادة التذكير بالقيم الاصيلة للدين الاسلامي، قيم السلام والاخوة والعدالة بين ابناء الأمة والبشرية جمعاء. ومن هنا تبدو أهمية معالم الفكر الاباضي وقواعده المنهجية التي تساعد في العثور على سبل التوصل الى حلول جذرية لقضايا الساعة والعلاقات بين مختلف الفرق والمذاهب الاسلامية والتعاون لا الصدام بين الثقافات.
وقال الزدجالي: ان البُعد العالمي لهذا الفكر وارتكازه على مبدأ العدالة أسسا مساحة واسعة من التعايش والتسامح الذي يٌعد سمة واضحة في كل التجمعات الاباضية سواء التي كونت دولا او تلك التي بقيت جزءا من مجتمعاتها الوطنية تمارس انشطتها والتزاماتها بإيجابية.
ويجمع علماء الاديان وبموضوعية على ان المذهب الإباضي، يحمل رسالة الاعتدال في مبادئه وافكاره، وتعاملَ مؤسسوه واتباعه دائما مع المخالفين لهم في الرأي والعقيدة بالتسامح، وقدموا المثل الساطع والقدوة الحسنة في ذلك النهج الاسلامي الاصيل، لأتباع وعلماء المذاهب الاخرى.
وأوضح سعادة يوسف الزدجالي ان علماء المذهب الاباضي ساروا على هذا النهج، فتميزت الحركة الإباضية عن غيرها من الحركات التي اظهرت النفور ورفض الآخر المخالف بالرأي والعقيدة والرؤية، وحتى التعامل معه بعدوانية وتكفيره.

ومن مظاهر هذا التسامح نجد ان اتباع الاباضية حَرَموا دماءَ مخالفيهم، او الاجهاز على جريحهم في حال الحرب، وحظروا سبي عيالهم اواخذ غنيمة مال. كما تتسم الاباضية بعدم التعصب وبالمرونة في معاملة سائر فرق الأمة، وان بلغ الخلاف بينهم ما بلغ.
والتزمت الاباضية خلال ذلك بثوابت الدين الاسلامي كما نص عليه القرآن الكريم والحديث الشريف والاحتفاظ في الوقت نفسه بمقومات الهوية والوعي بأبعادها دون تعصب او تزمت او انغلاق.
واغنى الفكر الاباضي الفكر الانساني بنتاجه الفكري الكلامي والفقهي والروحي والاخلاقي، حيث تشكلت له منظومته الفكرية العملية المبنية على الشرع ومبدأ العدالة والحقوق.
واشار الزدجالي إلى أن علماء وشيوخ الاباضية ناقشوا في اعمالهم الفكرية قضايا مهمة مثل العقل والنقل والتأويل والقياس في الوقوف عند الحكم الشرعي وكذلك دليل الخلق ومشكلة الصفات الالهية وغيرها من القضايا الملحة بالنسبة للمؤمن الواعي.
وأضاف : اننا على قناعة بأن الدراسات والاوراق البحثية التي ستقدم من على منبر مؤتمر الفكر الاباضي السادس في اكاديمية علوم بطرسبرج، ستكون اضافة مهمة في التعريف بالفكر الاباضي والقاء المزيد من الضوء على جوانبه النيرة لخدمة الانسانية وتطلعاتها المشروعة بحياة كريمة متوازنة بين متطلبات الايمان والحياة الدنيوية وفق الشرع المتفق عليه، وتؤكد ايضا امكانية التقاء الثقافات وحوار الاديان على أساس الاحترام المتبادل والتسامح وقبول الاخر.
وشكر سعادته إدارة اكاديمية العلوم في سانت بطرسبرج على استضافتها المؤتمر السادس للفكر الاباضي من اجل بناء عالم يسوده التسامح والعدالة والتعاون البناء بين الامم والشعوب لما فيه مصلحة للجميع، وقال : ليس بغريب ان يُعقد المؤتمر في بطرسبرج وبين جدران هذا الصرح العلمي العريق الذي اثرى الثقافة الروسية والعالمية بمختلف الدراسات والاكتشافات والاسهامات في مختلف فروع العلوم لما فيه خدمة التقدم الانساني.
تجدر الإشارة إلى ان السلطنة وروسيا ستحتفلان هذا العام بمرور 30 عاما على اقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وليس غريبا ايضا ان يعقد المؤتمر على ارض روسيا الاتحادية التي قدمت تجربة انسانية رائدة في التعايش السلمي، على مدى قرون، بين اتباع مختلف الاديان والقوميات، والتعاون البناء بينهم لبناء دولتهم العظمى بتراثها وثقافتها.
إرسال تعليق